الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
157
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ في موضع الحال لأنه من متممات التعجب الذي في قوله : وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ [ الرعد : 5 ] إلخ . فضمائر الغيبة كلها عائدة إلى الكفار الذين تقدم ذكرهم في صدر السورة بقوله : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ [ الرعد : 1 ] وقوله : أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ [ الرعد : 5 ] وقوله : وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [ الرعد : 7 ] . وقد أعيد الأسلوب هنا إلى ضمائر الغيبة لانقضاء الكلام على ما يصلح لموعظة المؤمنين والكافرين فتمحض تخويف الكافرين . والمجادلة : المخاصمة والمراجعة بالقول . وتقدم في قوله تعالى : وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ في سورة النساء [ 107 ] . وقد فهم أن مفعول يُجادِلُونَ هو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمون . فالتقدير : يجادلونك أو يجادلونكم ، كقوله : يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ في سورة الأنفال [ 6 ] . والمجادلة إنما تكون في الشؤون والأحوال ، فتعليق اسم الجلالة المجرور بفعل يُجادِلُونَ يتعين أن يكون على تقدير مضاف تدل عليه القرينة ، أي في توحيد اللّه أو في قدرته على البعث . ومن جدلهم ما حكاه قوله : أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . في سورة يس [ 77 ، 78 ] . والمحال : بكسر الميم يحتمل هنا معنيين ، لأنه إن كانت الميم فيه أصلية فهو فعال بمعنى الكيد وفعله محل ، ومنه قولهم تمحل إذا تحيل . جعل جدالهم في اللّه جدال كيد لأنهم يبرزونه في صورة الاستفهام في نحو قولهم : مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ فقوبل ب شَدِيدُ الْمِحالِ على طريقة المشاكلة ، أي وهو شديد المحال لا يغلبونه ، ونظيره وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [ سورة آل عمران : 54 ] . وقال نفطويه : هو من ماحل عن أمره ، أي جادل . والمعنى : وهو شديد المجادلة ، أي قوي الحجة . وإن كانت الميم زائدة فهو مفعل من الحول بمعنى القوة ، وعلى هذا فإبدال الواو ألفا على غير قياس لأنه لا موجب للقلب لأن ما قبل الواو ساكن سكونا حيا . فلعلهم